الغزالي

96

إحياء علوم الدين

على التفصيل والاستيعاب . وذلك كقول الحسن ، حسن الخلق بسط الوجه ، وبذل الندى وكف الأذى ، وقال الواسطي ، هو أن لا يخاصم ولا يخاصم ، من شدة معرفته باللَّه تعالى وقال شاه الكرماني ، هو كف الأذى ، واحتمال المؤن . وقال بعضهم ، هو أن يكون من الناس قريبا ، وفيما بينهم غريبا . وقال الواسطي مرة ، هو إرضاء الخلق في السراء والضراء . وقال أبو عثمان ، هو الرضا عن الله تعالى . وسئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال أدناه الاحتمال ، وترك المكافأة ، والرحمة للظالم ، والاستغفار له ، والشفقة عليه . وقال مرة ، أن لا يتهم الحق في الرزق ، ويثق به ، ويسكن إلى الوفاء بما ضمن ، فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وبينه ، وفيما بينه وبين الناس . وقال على رضي الله عنه ، حسن الخلق في ثلاث خصال : اجتناب المحارم ، وطلب الحلال ، والتوسعة على العيال . وقال الحسين ابن منصور ، هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق ، بعد مطالعتك للحق . وقال أبو سعيد الخراز ، هو أن لا يكون لك هم غير الله تعالى . فهذا وأمثاله كثير ، وهو تعرض لثمرات حسن الخلق لا لنفسه . ثم ليس هو محيطا بجميع الثمرات أيضا . وكشف الغطاء عن الحقيقة أولى ، من نقل الأقاويل المختلفة فنقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معا ، يقال فلان حسن الخلق والخلق ، أي حسن الباطن والظاهر . فيراد بالخلق الصورة الظاهرة ، ويراد بالخلق الصورة الباطنة . وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ، ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة . ولكل واحد منهما هيئة وصورة ، إما قبيحة ، وإما جميلة . فالنفس المدركة بالبصيرة ، أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر . ولذلك عظم الله أمره بإضافته إليه ، إذ قال تعالى * ( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً من طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ُ ونَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي فَقَعُوا لَه ُ ساجِدِينَ ) * « 1 » فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين ، والروح إلى رب العالمين . والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة ، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر ، من غير حاجة إلى فكر وروية . فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة ، المحمودة عقلا وشرعا ، سميت تلك الهيئة خلقا حسنا ، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة ، سميت الهيئة

--> « 1 » ص : 71 و 72